محمد متولي الشعراوي

4231

تفسير الشعراوى

ومن قولهم يتأكد غباء تفكيرهم ، فماداموا قد قالوا : نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فمن الذي نزل هذا الذكر ؟ ، والذكر هو القرآن ، والذي نزله هو اللّه - سبحانه وتعالى - فكيف يعترفون بالقرآن كذكر ، ثم يتهمون الرسول بأنه « مجنون » ؟ ، لأنهم مادموا قد قالوا عن القرآن إنه ذكر ، وإنه قد نزل عليه ، ولم يأت به من عنده ، فكيف يكون مجنونا ؟ إنهم هم الكاذبون ، وقولهم يؤكد أن فكرهم نازل هابط . وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق يقول سبحانه : فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ( 83 ) [ سورة الأعراف ] إن امرأة سيدنا لوط لم تدخل في الإنجاء لأنها من الغابرين ، و « غبر » تأتى لمعان متعددة ، فهي تعنى إقامة ومكثا بالمكان ، أو تعنى أي شئ مضى ، كما يقال : هذا الشئ غبرت أيامه ؛ أي مضت أيامه ، ولسائل أن يقول : كيف تأتى الكلمة الواحدة للمعنى ونقيضه ؟ فغبر تعنى بقي ، وغبر أيضا تعنى مضى وانتهى . نقول : إن المعنى ملتق هنا في هذه الآية ، فمادام الحق ينجيه من العذاب الذي نزل على قوم لوط في القرية فنجد زوجته لم تخرج معه ، بل بقيت في المكان الذي نزل فيه العذاب ، وبقيت في الماضي ، وهكذا يكون المعنى ملتقيا . فإن قلت مع الباقين الذين آتاهم العذاب فهذا صحيح . وإن قلت إنها صارت تاريخا مضى فهذا صحيح أيضا : إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ . ونحن لا ندخل في تفاصل لماذا كانت امرأته من الغابرين ؛ لأن البعض تكلم في حقها بما لا يقال ، وكأن اللّه يدلس على نبي من أنبيائه ، لا ، نحن لا نأخذ إلا ما قاله الحق بأنها كانت مخالفة لمنهجه وغير مؤمنة به . ونلحظ أيضا أن الحق تحدث عن امرأة نوح وامرأة لوط في مسألة الكفر ؛ فقال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما . . ( 10 ) [ سورة التحريم ]